جواد بلا فارس الثاني

الحلقة ( 11 )
دارت عيناها بسرعة وهى تفكر فيما يحدث داخل الفيلا الآن .. التفتت بحدة تنظر الى الفيلا خلفها ووجهها غارقاً بعبراته .. ارتجفت شفتاها بشدة وهى تهمهم :
– لا .. لا
جثا الحارس على ركبته بجوارها وهو يتفحصها بقلق ويقول :
– بتقولى ايه يا آنسة “آيات”
لم تجيبه “آيات” ولم تلتفت اليه حتى .. شهقت بقوة ونهضت ترفع طرف فستانها تجرى بأقصى سرعتها فى اتجاه الفيلا وقلبها يخفق فى وجل .. كانت طعنات كعب حذائها على الأرض تشق سكون الليل ويطغى على أصوات الموسيقى المنبعثة من داخل الفيلا .. هرولت لتسبق الريح .. بل لتسبق الزمن .. تساقطت عبراتها الساخنة لتحرق وجهها وكاد قلبها أن يتوقف خوفاً وهلعاً وهى تدعو الله أن تصل قبل أن تُكتب وثيقة اعدامها
شقت “آيات” طريقها بين الحضور .. كانت الوجوه مبتسمه مبتهجة .. بحثت بعينيها عن والدها .. أقبلت “أسماء” نحوها قائله بقلق :
– “آيات” كنتى فين ؟
لم تجيبها “آيات” بل لم تسمعها .. جرت فى اتجاه حجرة الصالون حيث رأت المأذون جالساً وعلى يمينه “آدم” وعلى يساره والدها .. سمعت أحد أصدقاء والدها من خلفها يقول :
– يلا يا عروسة مستنيينك عشان نكتب الكتاب
وقفت تنقل نظرها بين ثلاثتهم والحكل يختلط بالدموع على وجهها .. ارتج قلب “آدم” هلعاً عندما رآها على هذا النحو .. هب والدها واقفاً وقال فى هلع :
– “آيات” مالك ؟
التفتت تنظر الى والدها وقد بدأت فى النحيب مرة أخرى .. نظر والدها الى جسدها المرتعش فأحطاها بذراعيه قائلاً بحده من فرط خوفه :
– “آيات” .. مالك يا بنتى ؟
حاولت التحدث لكن الكلمات خانتها .. فقط كانت تبكى وترتجف عانقها والدها وهو يقرأ آيات من القرآن الكريم على مسامعها وقلبه يخفق فى هلع .. اقترب “آدم” منها وقد هاله مرآها على هذا النحو .. وضع يده على كفتها وهو يقول بقلق بالغ :
– “آيات” ايه اللى حصل ؟
رفعت “آيات” رأسها الموضوع على صدر والدها وانتفضت بعدما رأت يد “آدم” الموضوعة عليها وابعدت نفسها عن يده وانزوات تدفن نفسها فى حضن والدها أكثر وهى تأن ألماُ نظرت الى والدها بعينيها الدامعتين وكأنها ترجوه أن يحميها من “آدم” .. نظر اليها “آدم” بدهشة وهو لا يدرى ما بها ولما تبتعد عنه .. تجمهر بعض الضيوف فى حجرة الصالون ونظرت الدهشة والفضول تملأ أعينهم .. فأراد “عبد العزيز” أن يبتعد بها عن عيونهم المتطفلة فقال :
– مفيش حاجة يا جماعة .. لحظات وهرجعلكم
جذبها والدها وتوجه بها الى مكتبه لحق بهما “آدم” وأغلق الباب خلفه .. اقترب منها “آدم” قائلاً وهو يكاد يجن من رؤيتها بهذه الحالة :
– “آيات” قوليلى فى ايه .. ايه اللى حصل ؟
كانت ماتزال تئن بصوت يمزق القلب .. وضعت يديها على أذنيها حتى لا تسمعه .. أغمضت عينيها حتى لا تراه .. تمنت أن يختفى من أمامها .. عانقها والدها وعبراته تتساقط من عينيه قائلاً :
– يا بنتى .. يا بنتى ريحينى وقوليليى مالك
أنزلت يديها وتشبثت بملابس والدها بعدما كادت أن تسقط أرضاً أجلسها والدها على الأريكة وجلس بجوارها .. ذهب “آدم” مسرعاً لاحضار كوب من الماء .. قبل أن يعود التفتت “آيات” الى والدها .. خرج صوتها كصوت الألم .. فلو كان للألم صوتاً مميزاً لكان هو صوتها فى تلك اللحظة :
– مش عايزاه يا بابا
نظر اليها والدها بلهفة ودهشة يحاول استيعاب ما يحدث لابنته مسح على رأسها قائلاً :
– مين يا حبيبتى .. “آدم” يا “آيات” .. مش عايزة “آدم” ؟
قالت “آيات” وسط بكائها :
– أيوة يا بابا .. ده واحد مقرف
كانت مازالت ترتجف .. جلس “عبد العزيز” بجوارها وقال بلهفه :
– احكيلي يا “آيات” ايه اللى حصل .. عملك ايه ؟
فى تلك اللحظة حضر “آدم” ومعه كوب الماء .. أشاحت “آيات” بوجهها عنه بحده وأغمضت عينيها بقوة .. نظر اليها “آدم” بدهشة وحيرة وخوف و ألم .. نقل والدها بصره بينهما ثم التفت الى “آيات” قائلاً بحزم :
– قولى يا “آيات” متخفيش .. عملك ايه ؟ .. “آدم” عملك ايه ؟
نظر “آدم” الى والدها بدهشة ثم نظر الى “آيات” التى قالت بصوت مرتجف متألم وهى تخشى أن تفتح عينيها حتى لا تراه :
– واحدة جتيلى وورتنى فيديو ليهم مع بعض .. وقالتلى انه كان خاطب “شيرين” بنت عمو “سراج”
تجمد “آدم” فى مكانه وهو يستمع اليها .. فيديو .. أى فيديو .. ظل عقله يعمل بسرعة جنونية .. أمعقول أنها “بوسى” ! .. نظر “عبد العزيز” الى “آدم” بدهشة ممزوجة بالغضب قائلاً :
– انت كنت خاطب “شيرين” بنت أخويا ؟
قبل أن يتحدث تحدثت “آيات” قائله بصوت باكى :
– قالتلى ان عمو “سراج” و “عاصى” نصبوا عليه فى فلوس وانه خطبنى عشان يستغلنى .. هى قالتلى كده
كانت “آيات” مازالت مغمضة العينين بقوة .. وترتعش كورقة فى مهب الريح .. أحاطها والدها بذراعيه ونظر الى “آدم” قائلاُ بغضب هادر :
– الكلام ده مظبوط ؟ .. انطق
لم يجيبه “آدم” بل نظر الى “آيات” قائلاً :
– فيديو ايه اللى وريتهولك ؟
صرخت “آيات” بألم وقد انخرطت فى بكاء حار وتضاعفت ارتعاشة جسدها وهى تتذكر ما رأت .. كاد “عبد العزيز” أن يصاب بالجنون هتف فى “آدم” بغضب :
– “آدم” الكلام ده مظبوط .. اتكلم
صمت “آدم” وقد أغمض عينيه بقوة وهو يشعر بأن كل خططه باءت بالفشل .. فتح عينيه قائلاً بصوت خافت :
– أيوة مظبوط
قال “عبد العزيز” بغضب ممزوج بالحيرة :
– يعني ايه .. انت كنت خاطب “شيرين” بنت أخويا .. وأخويا نصب عليك
ما كاد “عبد العزيز” ينتهى من جملته حتى هتف “آدم” ليدافع عن نفسه قائلاً بحده وغضب :
– أيوة كنت خاطبها كنت خاطب بنت أخوك .. وكنت شريك مع أخوك فى مشروع سياحى .. ولما لقيتها اتغيرت 180 درجة واتصاحبت على شلة فاسدة وبقت المشاكل تكتر بينا وبعد ما نصحتها مرة واتنين وتلاته بدون أى استجابه فسخت خطوبتى معاها .. لكن أخوك المحترم وابن أخوك مضونى على عقود مزورة ونصبوا عليا وسرقوا فلوسى وسرقوا دراسة الجدوى اللى كنت عاملها للمشروع
ثم قال بقسوة وغضب مكبوت :
– ومش بس كده بقيت كل ما أطالب بحقى يبعتولى بلطجية يأدبونى عشان اسكت ولما رفضت اسكت لفقولى قضية واترميت فى السجن شهرين
كان يلهث بشدة لكنه أكمل قائلاً :
– ومش بس كدة .. مش بس طلعت خسران من المشروع لا طلعت مديون كمان ولحد دلوقتى وأنا مديون ولولا ان صاحب الدين وافق انهم يتقسطوا كل شهر كان زمانى مرمى فى السجن دلوقتى
نظر اليه “عبد العزيز” بغضب واحتقار وصاح :
– وأنا وبنتى ذنبنا ايه فى شغلك ومشاكلك انت وأخويا وابنه وبنته ؟ .. بتقرب مننا احنا ليه .. كنت عايز مننا ايه ؟
قال “آدم” ببرود :
– كنت عايز حقى
قال “عبد العزيز” بغضب :
– حقك تاخده من اللى ظلمك .. من اللى سرقك .. مش من ناس ملهمش أى دخل بالموضوع
قال “آدم” ببرود وان كان قد بأن يشعر بضعف موقفه :
– انتوا اخوات فى بعض يعني اللى حصل ده فى وشك انت كمان
نهض “عبد العزيز” ووقف أمام “آدم” وهو ينظر اليه بإحتقار قائلاً :
– انت انسان خسيس ومعندكش ذرة أخلاق ولا ضمير
صاح “آدم” بغضب :
– أخوك وابن أخوك نصبوا عليا وسرقونى ورمونى فى السجن .. مين فينا اللى معندوش أخلاق ولا ضمير
صاح “عبد العزيز” بقوة :
– أخويا أنا اصلا متبرى منه لانه نصاب وحرامى .. أقولهالك تانى .. أخويا نصاب وحرامى .. ومشاكله متخصنيش لا من قريب ولا من بعيد
ثم قال وعلامات الإشمئزاز على وجهه :
– خيبت ظنى فيك وأنا اللى فتحتلك بيتي وكنت هسلمك بنتى
فى تلك اللحظة شعر “آدم” بشئ من تأنيب الضمير .. شعر به وهو ينظر الى “آيات” التى ألقت برأسها على ظهر الأريكة وقد التفتت الى الجانب الآخر حتى لا تراه .. كانت مغمضة العينين .. تتساقط عبراتها على وجهها فى صمت مزق قلبه .. نظر اليها بلهفه وقد أشفق عليها .. أشفق عليها مما رأته ومما سمعته .. ود لو جلس بجوارها وعانقها وطلب منها عفوها وشرح لها ما عاناه وما أوصله لذلك الطريق بعدما أغلقت جميع الأبواب فى وجهه .. ود لو شرح لها الظلم الذى تعرض له علها تشفق عليه وتعذره .. نظر اليها بألم وهو يتمنى أن يقترب منها ليمسح تلك العبرات المنسابة على وجنتيها .. أفاق على صوت “عبد العزيز” وهو يقول بصرامة :
– اتفضل اطلع بره بيتي مش عايز أشوف وشك هنا تانى .. والحمد لله اننا لسه على البر وبنتى متكتبش كتابها عليك
وقف “آدم” ينظر الى “آيات” بألم .. فصرخ به “عبد العزيز” بغضب مشيراً الى الباب :
– قولتلك اطلع بره بيتي
بدا وكأن أعصابها الملتهبة لم تحتمل هذا الكم من الصراخ فوضعت يديها على أذنيها وظلت تصرخ بقوة .. أرادت أن تهتف قائله : كفى لم أعد أحتمل .. لكنها لم تجد كلمات تعبر بها عما تريد .. وكأنها طفل صغير لم يتعلم الكلام بعد .. ولغته الوحيدة التى يعرفها هى الصراخ الذى يعبر به عما يريد .. اقترب منها “عبد العزيز” بفزع وأحاطها بذراعه قائلاً بصوت باكى :
– “آيات”
ظلت تصرخ الى أن بح صوتها .. تجمعت العبرات فى عيني “آدم” .. لأول مرة منذ زمن يشعر بنغزات الدموع فى عينيه .. اقترب منها “آدم” قائلاً بألم وبصوت مرتجف :
– “آيات” لو عايزانى أمشى همشى بس اهدى
ما هى إلا لحظات حتى سكنت وقد أغشى عليها بين ذراعي والدها .. هتف “آدم” بقلبه قبل لسانه :
– “آيات”
هم بأن يقترب منها .. لكن “عبد العزيز” قال بقوة وصرامة :
– ابعد عن بنتى .. امشى اطلع بره يا اما هطلبلك البوليس .. سمعت
انفتح الباب ليدخل أحد أصدقاء “عبد العزيز” بعدما ارتفع صوت الصراخ حتى أكل الفضول والخوف الضيوف بالخارج .. صرخ “عبد العزيز” فى صديقه وهو يشير الى “آدم” قائلاً :
– طلعلى الكلب ده بره .. خليه يخفى من أدامى لقوم أقتله
قبل أن يتجه صديق “عبد العزيز” الى “آدم” كان قد غادر بالفعل تشيعه نظرات الدهشة والإستنكار والفضول من الجميع .. أسرع وتوجه الى سيارته الواقفة أمام الفيلا .. وانطلق بها وأوقفها على بعد أمتار قليلة من بوابة الفيلا .. أخذ يضرب بقبضة يده على المقود بقوة وشراسه وهو يلعن هذا الحظ الذى أوصل “بوسى” الى “آيات” وقبل لحظات من كتب الكتاب .. نعم هى “بوسى” ومن ستكون غيرها .. أراد أن ينطلق الى بيتها ليخرج فيها غضبه وحنقه لكنه أراد أولاً الإطمئنان على “آيات” المنهارة بالداخل .. أخذ ينظر الى الفيلا عله يتبين أى شئ .. لحظات و تعالت أصوات سرينة سيارة الإسعاف .. قفز قلبه هلعاً .. دخلت السيارة الفيلا ليرى النقالة تخرج منها فارغة ثم تعود محملة بـ “آيات” .. شعر بقلق بالغ .. رأى والدها يصعد معها فى سيارة الإسعاف قبل أن تنطلق فى طريقها الى المستشفى .. أدار “آدم” المحرك وانطلق بسيارته خلف سيارة الإسعاف

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *