جوزي طردني

عدت عشر دقايق، وبعدها نص ساعة، ومفيش رد.
بدأت أقول لنفسي إنه حتى مش عايز يرد، لحد ما الموبايل رن فجأة.
كان أحمد!
قلبي دق بسرعة، ورديت وأنا بحاول أتماسك.
قال بصوت متوتر: ـ إنتِ مين اللي كلمك؟
اتجمدت مكاني.
قلت له: ـ إنت بتسألني عن إيه؟
قال بعصبية: ـ متعمليش نفسك مش فاهمة. حد بعتلك صور من بيتي، صح؟
سكت شوية، وبعدها قلت: ـ أيوه، وصلتلي صورة. بس أنا عايزة أفهم منك، إيه الورق اللي كنت هتخليني أمضي عليه؟
اتنهد بضيق وقال: ـ إنتِ مصدقة أي حد وخلاص؟ دي ورقة كنا بنتكلم فيها عن ترتيب أمور البيت، ومفيش حاجة من اللي في دماغك دي.
قلت له: ـ طب ليه مجبتش سيرة الورقة دي قبل كده؟ وليه مستني إني أرجع الأول علشان تتكلم معايا فيها؟
رد بسرعة: ـ علشان إنتِ اللي مشيتي من البيت، وأنا لازم أضمن إن المشاكل دي مش هتتكرر.
قلت له: ـ مشاكل إيه يا أحمد؟ إني طلبت منك عشرين جنيه؟ ولا إني طلبت يبقى ليا مصروف بسيط؟ ولا إني قلتلك إني تعبت من خدمة أمك لوحدي؟
صوته عليّ: ـ أمي متجيبيش سيرتها! إنتِ عارفة أنا شايل كام مسؤولية!
قلت له والدموع بتنزل من عيني: ـ وأنا مش كنت شايلة مسؤولية معاك؟ لما أمك كانت تعبانة، مين كان بيقوم بالليل؟ مين كان بيغيرلها ويديها الدوا ويأكلها؟ لما كنت بتسافر، مين كان بيشيل البيت والولاد؟ أنا عمري ما طلبت منك تسيب أمك، ولا طلبت منك متساعدهاش، أنا طلبت منك بس تحس بيا!
سكت.
ولأول مرة من ساعة ما مشيت، حسيت إنه مش لاقي رد جاهز.
بعد شوية قال: ـ بصي، أنا مش عايز أتكلم في التليفون. تعالي بكرة نتكلم، وأنا هبعتلك حد ياخدك إنتِ والولاد.
كنت لسه هرد، لكنه كمل:
ـ بس فيه شرط، لازم تيجي لوحدك الأول، علشان نقعد ونخلص موضوع الورق بعيد عن العيال.
افتكرت كلام أمي، وكلام خالد، ورديت بهدوء:
ـ لأ يا أحمد. لو عايز نتكلم، نتقابل في وجود حد من أهلي، ونتكلم في كل حاجة بوضوح. أنا مش جاية أخاصمك، لكن مش هسمح إن خوفي على ولادي يخليني أوافق على حاجة مش فاهمها.
زعق وقال: ـ يعني إنتِ مش واثقة فيا؟

قلت له: ـ الثقة مش كلمة بنقولها لبعض، الثقة بتتبني من التصرفات. وإنت لما طردتني، وسكت شهر كامل من غير ما تسأل على ولادك، كسرت حاجات كتير جوايا.
سمعت صوته بيتغير، وقال:
ـ إنتِ فاكرة إن الشهر ده كان سهل عليا؟ إنتِ فاكرة إني كنت مبسوط وإنتِ بعيدة؟
اتلخبطت للحظة، وسألته: ـ أمال ليه مسألتش علينا؟ ليه مسبتش حتى العيال يكلموك؟
سكت طويلًا، وبعدها قال جملة مكنتش متوقعاها:
ـ علشان كنت مستنيكي إنتِ اللي ترجعي وتعرفي إنك غلطتي.
قلت له: ـ وأنا كمان كنت مستنياك تيجي وتعرف إنك غلطت. بس الفرق إني مكنتش مستعدة أسيب ولادي يحسوا إن أبوهم نسيهم.
اتنهد وقال: ـ خلاص، بكرة هاجي أقعد مع أمك وإخواتك، ونتكلم.
قفلت المكالمة وأنا مش عارفة أفرح ولا أخاف.
كنت أخيرًا هقابله بعد شهر كامل، لكن لسه مش عارفة هل هو فعلًا عايز يصلح بيتنا، ولا عايز يرجعني لنفس الحياة القديمة بشروط أقسى.
تاني يوم، صحيت بدري، وجهزت الولاد علشان يروحوا المدرسة. وبعد ما خرجوا، قعدت مع أمي في الصالة مستنيين أحمد.
الساعة بقت اتناشر، وبعدها واحدة، وهو مجاش.
اتصلت بيه، مردش.
وبعد ساعة، وصلني منه رسالة:
«أنا مش جاي النهارده. حصلت مشكلة مع أمي في البيت، ولازم أكون جنبها. ولما أخلص هكلمك».
حسيت بخيبة أمل، لكن قلت لنفسي يمكن فعلًا أمه تعبانة، ومينفعش أظلمه من غير ما أعرف.
بعد شوية، رن تليفوني، وكان رقم الممرضة.
رديت بحذر: ـ ألو؟
قالت بصوت هادي: ـ إزيك يا مدام؟ أنا نادية، الممرضة اللي شغالة عند طنط.
قلت لها: ـ الحمد لله، خير؟
قالت: ـ أنا عارفة إن ممكن كلامي يضايقك، بس ضميري مش مرتاح. أنا سمعت أحمد وهو بيتكلم مع أخته، وعرفت إنهم ناويين يضغطوا عليكي علشان تمضي على ورق، وأنا مش عايزة أبقى سبب في ظلم حد.
قلبي بدأ يدق من جديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *