أنا اللي كتبت اسماءهم كاملة حصرية بقلم مايا خالد

أنا اللي كتبت أسماءهم

أنا مُدرسة لغة عربية في مدرسة ثانوي بنات في مركز صغير، والناس هنا بتحب تقول عليّ “طيبة زيادة عن اللزوم”.
يمكن علشان ربنا ما كتبليش الخلفة، فكنت بتعامل مع الطالبات كأنهم بناتي، أزعل لزعلهم، وأفرح لنجاحهم، وأشيل همّهم أكتر من همّ نفسي.

من سنتين، الإدارة عملت حاجة جديدة.
قالوا إنهم هيطبقوا “نظام متابعة نفسية غير مباشر”.
مفيش أخصائي نفسي، مفيش جلسات رسمية، بس كل مُدرسة تكتب ملاحظاتها عن الطالبات في ملف سري.

قالوا: — دي مش تقارير رسمية، دي مجرد ملاحظات… علشان نساعد اللي محتاج مساعدة.

وافقت من غير تردد.
كنت شايفة إن الكلمة ممكن تنقذ.

بدأت أكتب.

مش تقارير جافة، لأ.
كنت بكتب بإحساس.

عن ريم كتبت إنها سكتة زيادة، بتهرب من الكلام، بتخاف من الغلط.
عن نور كتبت إنها اندفاعية، صوتها عالي، وبتستخبى ورا الضحك.
عن هاجر كتبت إنها دايمًا بتحاول تبقى مثالية، وده ضغط عليها.

كنت حاسة إني بعمل الصح.

بعد أسبوعين، ريم تغيبت.
قالوا إنها حاولت تأذي نفسها، وأهلها خدوها من المدرسة.

قلبي اتقبض… بس قلت قضاء وقدر.

بعد شهر، نور اتفصلت.
دخلت في خناقة كبيرة واتهموها إنها بدأت الضرب.

قلت لنفسي: صدفة.

بعدها بشهرين، هاجر انهارت في الامتحانات، وبقت بتعيّط في الفصل من غير سبب.

ساعتها بس حسّيت بوخزة صغيرة جوا صدري.
بس دفنتها.

لحد ما دخلت ليلى.

ليلى كانت طالبة جديدة.
هادية، بس مش ضعيفة.
عينيها ثابتة، نظرتها طويلة، كأنها دايمًا سامعاني حتى وأنا ساكتة.

قعدت أول يوم في أول ديسك.
بتبصلي مباشرة، من غير خوف.

كتبت عنها:

> “طالبة ذكية، واعية، لكنها تميل للمراقبة أكثر من المشاركة.”

 

في الحصة التالتة، رفعت إيدها لأول مرة وقالت: — هو حضرتك بتكتبي عننا؟

الفصل كله ضحك.
ضحكت معاهم وقلت: — بكتب ملاحظات دراسية، زي أي مُدرسة.

بس نظرتها ما ضحكتش.

بعد الحصة، استنتني.
قالت بهدوء: — ملاحظاتك بتوصل لحد فين؟

قلت: — ليه السؤال ده؟

قالت: — علشان الكلمة لما تطلع من صاحبها… مبتبقاش بتاعته.

الكلام علّق في دماغي، بس تجاهلته.

الأيام عدت، وليلى كانت بتيجي تحكي.
عن زميلاتها، عن خوفهم، عن أسرار صغيرة ما تتقالش.

كنت بسمع… وبكتب.

كنت فاكرة نفسي بأحميهم.

في يوم، وأنا براجع ملفات المتابعة، لاحظت حاجة غريبة.
في خانة “التوصيات”، في قرارات مكتوبة ما افتكرش إني كتبتها.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *