البيت اللي بيختار ساكنيه كاملة وحصري
البيت اللي بيختار ساكنيه
أول مرة شُفت العمارة، ما حسّتش بحاجة غريبة.
لا شكلها مرعب، ولا مهجورة، ولا حتى قديمة أوي.
عمارة أربع أدوار، لونها أصفر باهت، واقفة في شارع هادي أكتر من اللازم.
السمسار قال بابتسامة مريحة: — العمارة دي هادية… مفيش مشاكل، مفيش دوشة، سكان محترمين.
الكلمة علّقت في دماغي: محترمين.
دايمًا الكلمة دي بيبقى وراها حاجة.
دخلت الشقة.
نضيفة، واسعة، نور الشمس داخلها باعتدال.
حاجة مريحة… بس الراحة دي كانت غريبة، كأنها متقاسة بالمسطرة.
جوزي قال: — دي فرصة، الإيجار قليل، والمكان هادي ع الطفل.
بصّيت لابني، كان ماسك إيدي، ساكت أكتر من العادي.
سألته: — مالك؟
قال وهو بيبص حوالين المكان: — ماما… هنا مفيش صوت.
ضحكت وقلت: — يا سلام، دا اللي نفسنا فيه.
ما كنتش فاهمة ساعتها إن الصمت ده مش نعمة…
ده كان مراقبة.
—
من أول أسبوع، بدأت أحس إن في حاجة غلط.
الجيران لطيفين زيادة عن اللزوم.
ابتسامة دايمة، كلام قليل، أسئلة محسوبة.
ولا مرة سمعت خناقة.
ولا مرة سمعت ضحك عالي.
ولا حتى صوت تلفزيون.
كأن كل شقة عايشة في فقاعة.
الغريب إنهم كانوا يعرفوا عني حاجات ما قلتهاش: — إزيك؟ طمنينا على شغل جوزك الجديد. — ابنك نايم بدري؟ شكله تعبان النهارده.
كنت بسأل نفسي:
عرفوا منين؟
افتكرت نفسي بهوّل.
لحد ما لاحظت الكاميرات.
صغيرة… شبه أجهزة إنذار.
واحدة في مدخل العمارة.
واحدة في كل دور.
ولما ركزت أكتر…
واحدة فوق باب شقتي.
سألت البواب: — هي الكاميرات دي جديدة؟
قال بهدوء: — دي للأمان… بس متقلقيش، مش شغالة دايمًا.
الجملة دي كانت أول مسمار في دماغي.
—
بعد شهر، جوزي اتغير.
مش فجأة…
تدريجي.
بقى عصبي، شكاك، كلامه قليل.
بقى يركز في تصرفاتي أكتر من اللازم.
مرة قال لي: — إنتِ ليه قفلتي الباب بدري؟
قلت: — زي كل يوم.
رد: — لا… المرة دي قفلتيه أسرع.
سكتّ.
هو كان واقف بيبصلي كأنه بيشوفني لأول مرة.
ابني بقى ينام وهو بيصحى مفزوع.
بيقولي: — حد كان بيبصلي وأنا نايم.
قلت يمكن كوابيس.
بس الكوابيس كانت بتيجي لينا كلنا.
—
في يوم، الكهربا قطعت.
العمارة كلها غرقانة في ظلمة تقيلة.
طلعت أشوف لو في حد، لقيت باب شقة في آخر الدور مفتوح.
دخلت…
كنت فاكرة حد محتاج مساعدة.
الشقة كانت فاضية، بس في أوضة واحدة منورة.
دخلت…
وشفت اللي عمري ما أنساه.

