حين يغيب العقل

العنوان: حين يغيب العقل وتتكلم الغيرة

في مساءٍ شتويٍّ ثقيل، عاد مروان من عمله متعبًا، يتسلل البرد إلى عظامه، والليل يخيّم على المدينة كسجادةٍ من صمتٍ وهدوء. كان يتوق لأن يجد بيته دافئًا، يملؤه صوت ضحكات طفلته الصغيرة ورائحة الطعام التي تعدّها زوجته كل مساء. ولكن ما إن فتح باب المنزل حتى رأى مشهدًا جعل الدم يغلي في عروقه، رأى زوجته ليلى تمسك بشعر أخته الصغرى هالة وتصرخ فيها بعنف، بينما الطفلة الصغيرة تبكي في الزاوية، تمسك بدميةٍ ممزقة كأنها تحاول أن تفهم ما يجري.

توقف مروان في مكانه، والدهشة تتحول في صدره إلى نارٍ من الغضب، صرخ بصوتٍ كالرعد:
– ما الذي تفعلينه يا ليلى؟!
لكن ليلى لم تجب، كانت تحاول أن تمنع الفتاة من الهروب نحو الباب، فأمسك مروان بذراع زوجته وصفعها بشدّة، حتى كاد صوت الصفعة يوقظ الجيران. ثم أمسك بشعرها وجرّها إلى الغرفة بعنف، وهو يقول:
– أتتجرئين على ضرب أختي في بيتي؟!

لم تتكلم ليلى، دموعها تنهمر بصمت، جمعت ملابسها على عجل، احتضنت طفلتها الصغيرة، وخرجت من البيت وهي لا تنظر خلفها. بقي مروان واقفًا في صالون المنزل، أنفاسه تتسارع، والندم لم يجد بعد طريقه إلى قلبه. اقترب من أخته هالة التي جلست على الأريكة تبكي تمثيلًا أكثر من ألم، فجلس بجانبها ومسح دموعها قائلاً:
– لا تبكي يا أختي، لن أسمح لأحدٍ أن يلمسك بسوء بعد اليوم.

ثم قبّل جبينها، كأنه يعوّضها عن كل الألم الذي ادّعت أنه لحق بها، دون أن يسألها: لماذا كان بينكما شجار؟ ماذا حدث لتفقد زوجتي صوابها؟
لم يسأل.
فقد اكتفى بما رأى، وتغافل عما لم يعرف.

دخل الحمام، غيّر ثيابه، ثم تمدد على فراشه. نام كما ينام من أنهى معركةً صغيرة، دون أن يدرك أنه فتح باب مأساةٍ كبرى.

حين حلّ المساء، عادت أمه العجوز أم مروان من زيارةٍ لابنتها الكبرى، وحين لم تجد ليلى في المنزل، سألت ابنها بقلق:
– أين زوجتك يا مروان؟
رفع رأسه من وسادته وقال ببرود:
– ذهبت إلى بيت أبيها، لن تعود بعد ما فعلت.
تجهم وجه الأم وقالت:
– وماذا فعلت؟
فأجاب بنفاد صبر:
– كانت تضرب أختي! هل يعجبك ذلك؟ كيف أقبل أن تهينها في بيتي؟

سكتت الأم لحظة ثم صاحت بصوتٍ مرتعشٍ بالغضب:
– يا لك من أحمق! أضربت زوجتك من أجل أختك دون أن تسأل عن السبب؟

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *