الدين الذي تسدد بعد15 سنة

“الدّين اللي اتسدّ بعد ١٥ سنة”
“البنت اللي قالتله زمان ‘والله هردهولك لما أكبر’… رجعت، بس المرة دي عشان تشيله هو من وقعته!”
الشمس كانت بتاكل أسفلت شوارع الزمالك، وليلى، اللي عمرها ما عدّاش العشر سنين، كانت قاعدة على الرصيف، فارشة كرتونة وحاطة عليها كام باكو مناديل. وشها أسمر من الشمس، وعينيها دبلانة من الجوع واللف. جنبها أخوها الصغير “كريم” بيزنّ وعاوز ياكل.
العربيات الفخمة كانت بتعدّي، كأنها في عالم تاني. محدش بيبص عليهم، ولو حد بص، بتبقى نظرة شفقة سريعة أو قرف.
لحد ما وقفت عربية “مرسيدس” سودة بتلمع. نزل منها راجل باين عليه الهيبة والوقار، لابس بدلة كحلي غالية، وريحته برفيوم تدوّخ. ليلى بصتله بخوف وأمل.
قرب منها، وبدل ما ياخد منديل ويرمي جنيه، وطّى وبصلها في عينيها وسألها بصوت حنين:
“مكلتيش يا حبيبتي؟”
ليلى هزت راسها، والدموع كانت محبوسة في عينيها.
طلع من جيبه مبلغ كبير وقتها، يمكن ٥٠٠ جنيه، وحطهم في إيدها.
“خدي دول، كُلي إنتي وأخوكي، وبكرة الصبح تروحي المدرسة، سامعة؟ مكانك مش هنا.”
ليلى مسكت الفلوس بإيد بتترعش، وقالت بصوت طفولي بس مليان صدق:
“أنا معرفش اسم حضرتك… بس والله العظيم هردهولك لما أكبر وأبقى غنية زيك!”
ابتسم الراجل ابتسامة أبوية، طبطب على راسها وقال:
“اسمي عزت… ومش عاوزك ترجعي حاجة. رجّعي الجميل ده في حد غيري لما تكبري.”
ومشي… وساب وراه بنت صغيرة ماسكة في وعد بقى هو كل دنيتها.
بعد ١٥ سنة…
مستشفى القصر العيني الحكومي. زحمة، صريخ، دكاترة وممرضين بيجروا في كل حتة.
في وسط الدوشة دي، كانت “دكتورة ليلى”، رئيسة قسم الأطفال، بطلة من أبطال الجيش الأبيض.
ليلى كبرت، دخلت طب بمنحة تفوق، واتخصصت في الأطفال عشان عمرها ما نسيت زنّة أخوها وهو جعان. بقت دكتورة شاطرة، وجدعة، إيدها ممدودة لكل محتاج.
صورة “عزت بيه” عمرها ما فارقت خيالها. كانت الدافع والمُلهِم. كل ما تيأس، تفتكر نظرته الحنينة ووعدها ليه.
